مقابلات وريبورتاجات
ترانيم مختارة
مواضيع متعلقة   جديدة

بقلم زهير دعيم

لقد أخطأنا "..... " لم يكن في الحسبان " .." كانت غلطة " تعبيرات وكلمات تسمعها وتسمع مثيلاتها يوميًا ، والنتيجة في كثير من الأحيان والحالات الإجهاض...



ما كان ليحصل للـ57 مليون شخص الذين خسروا حياتهم منذ ان تم تشريع الاجهاض لو سُمح لهم ان يبصروا النور؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه فيديو قوي جداً لمنظمة "لحظات مسروقة"...

أليتيا

زرت منذ فترة مركز للإجهاض في نيبراسكا في الولايات المتحدة حيث يُمارس الإجهاض عن طريق "الولادة الجزئية". فرأيت مكاناً مثيراً للاشمئزاز فيه الكثير من شر البشر...
تغيير حجم النص تصغير الخط اعادة الخط للحجم الطبيعي تكبير الخط

الإجهاض ..دراسة متواضعة

| Share

إن الإجهاض في عصرنا الحالي من أهم الموضوعات الاخلاقية في المجتمع ، حيث يشغل جميع طبقاته و أفراده نساء أم رجال ، بل أنه أيضاً موضوع تدخلت فيه السياسة ، فبعض الدول شجعته و أخرى منعته ، كما أنه كان أحد موضوعات الجدال السياسي في إنتخابات بعض الدول الأوروبية و كذلك الولايات المتحدة الأمريكية .
إن أهمية هذا الموضوع لا تمكن في صورته السياسية أو الإجتماعية ، إنما في صورته اللاهوتية التي حرمت الإجهاض ، فالإنسان خلق على صورة الله ، و الله حرم القتل ، فإن الإجهاض هو عملية قتل لصورة الله ، و أيضاً رفض لنعمته .
إن الجنس هو هبة مقدسة قدمها الله للإنسان لكي يتناسل و يكثر الأرض ، و قيام الإنسان بالموافقة على عملية الإجهاض هو رفض لخطة الله ، و سوء إستخدام لنعمته .
في أولى صفحات سفر التكوين تطالعنا رواية الخلق المنسوبة إلى المصدر الكهنوتي بالتركيز الدائم على ما برأ الله من مخلوقات متوّجة عرضها لدخول الكائنات حيّز الوجود بالتعبير الآتي: " ورأى الله أن ذلك حسن". والكائن الوحيد الذي جاء ليحتلّ رأس هرميّة الوجود كان الإنسان الذي يتميّز بجسده ونفسه عن بقيّة البرايا بأنّ الله صنعه على صورته هو وكمثاله أي بتعبير آخر يشترك بعقله وإرادته وقدرته وكيانه في صفاته المطلقة:" وقال الله لنصنعنّ الانسان على صورتنا كمثالنا.فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم ". ( تكوين1: 26 ) فالله خالق هذا الكون وسيّد هذا العالم، لم يخلقنا كما خلق سائر الكائنات، إنّما في خلقنا أعطانا شيئًا منه أعطانا صورته ومثاله.
يقول القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية : " إنّ الذين ينقادون لروح الله يكونون أبناء الله حقًّا. لم تتلقوا روح عبوديّة لتعودوا إلى الخوف بل روح تبنٍّ به ننادي: أبّا يا أبتِ! وهذا الروح نفسه يشهد مع أرواحنا بأننا أبناء الله " (رو 8: 14-16) .
فقيمة الإنسان الخارقة تتجلّى في أنّ الله الآب هو مصدر وجوده؛ فأنا موجود كمخلوق وكهبة من الله. " أنظروا أيّ محبّة خصّنا بها الآب لندعى أبناء الله وأننا نحن كذلك" (1يو 1: 3 ) .
هكذا أحب الله الإنسان حتى جعله إبنًا له. فلا وجود لا معنى له ولا مبرر خارج المسيح. فالمسيح أصبح لوجودنا المعنى: إن الإنسان ليس كيانًا هامشيًّا أو كيانًا لا قيمة له، بل هو كيانٌ أساسيّ وابن الله في الابن. لقد حرر الله الإنسان من نير العبوديّة وأعطاه صفة الإبن. هذا الأمر ينطبق على الجنين، على الطفل على المراهق وعلى المسنّ؛ إنّه ينطبق على الكائنات البشريّة كافّةً. فصفة البنوّة لا تنطبق أو تنحصر في فئة معيّنة إذ إنّ محبّة الله شاملة وتشمل الكائن البشري في مختلف مراحل نموّه، من تكوينه حتّى مماته.
كما تتجلّى أهميّة الشخص البشري من خلال محبّة الله اللا محدودة للإنسان: "هكذا أحبّ الله العالم حتى أرسل ابنه الوحيد كفّارة عن خطايانا". فالإنسان شخص محبوب من قبل الله وليس شخص مرذول خلقه الله وتركه كما تدّعي بعض الفلسفات القديمة. محبّة الله للإنسان هي هي، في الأمس واليوم وغدًا، محبّته لنا ثابتة للأبد.
تبرز هذه المحبّة بشكلٍ جلي في مثل الإبن الضال. فبالرغم من كلّ السوء والجرح الذي سببه الابن الأصغر إثر تخليه عن منزل أبيه ، نجد الآب يسرع إلى ابنه إبّان عودته فيعاقبه ويقبّله ويغفر له: "أسرعوا فأتوا بأفخر حلّة وألبسوه واجعلوا في إصبعه خاتمًا وفي رجليه حذاء لأنّ ابني هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالاًّ فوجد"( لو15) .
إنطلاقًا من هذا المبدأ، هل يحق لي أن أقتل جنينًا يحمل في ذاته صورة الله ومثاله؟ أوليس في ذلك عملٌ إجرامي؟ هذا ما تدعو الكنيسة المساهمين في عمليّات الإجهاض على التفكير مليًّا فيه.
إن حياة الكائن البشري تبدأ من لحظة الحبل به, فالكتاب المقدس لا يفصل بين الروح والجسد. والآباء لم يقبلوا القول بأن الكلمة كان قبل ولادته جسما هامداً لا حياة فيه. أما الكنيسة فتعيّد للحبل بمريم والدة الإله وبيوحنا المعمدان. أما العلم فيؤكد أن نمو الجنين يبدأ من لحظة اتحاد المورِّث (الكروموزوم) الذكري بالبُويضة الأنثوية. لذلك, ليس الجنين كتلة لحم من دون روح يستطيع أبواه أو أحد أبويه التصرف بمصيره, بل هو كيان آخر مستقل لا يخص أباه أو أمه بل يخص الله. ومن ثم يكون الإجهاض بمثابة قتل كائن بشري, أَنِِطفَة كان أم جنينا, أإبن ساعة أو أكثر. الجنين أمانة من الله في يد أبويه لا يجوز التفريط بها.
ليس الجنين, في مفهوم الكتاب المقّدس كتلةً من لحم ودم وشحم, بل هو يأخذ منذ تكوينه في أحشاء أمه صورة الله, يقول الربّ للنبي إرميا: "قبل أن أُصوّركَ في البطن عرفتك, وقبل أن تخرج من الرحم قدّستك وجعلتك نبيا للأمم" (1 : 4). وفي السياق عينه يقول مرنّم المزمور: 16:138: "رأتني عيناك جنينا, وفي سِفرك كُتبتْ جميع الأكوان وصُوّرت ْ أيامها قبل أن يكون منها شيء". ويخبرنا الرسول لوقا الإنجيلي أن يوحنا المعمدان, جنينا, إرتكض في بطن أمه عندما رأت مريمَ الحامل المسيح.
في القرن الثاني للمسيحية اكتفى الآباء الدفاعيّون بالقول للوثنيين إن النساء المسيحيات لا يمارسن الإجهاض ولا يتركن الأطفال الذين يلدنهم. بالنسبة إليهم كانت هذه شهادة للمسيحية ودعوة للاهتداء إليها. لا شك أن التشريع يبقى دون متطلّبات الإنجيل والحياة المسيحية. التطويبات لا تتحقق من خلال القانون بل من خلال تقديم المثال الصالح. يعني هذا أنّ الإجهاض يبقى في نظر الله قتلا لكائن أعزل , ولو حلّلته قوانين الناس. ترفض الكنيسة الأرثوذكسية الإجهاض, وثمة قوانين كنسيّة عديدة وضعها الآباء أفراداً أو في المجامع تدينه, ومنها القانون 91 من مجمع تروللو سنة692 م الذي يقرر:" إن النساء اللواتي يعطين عقاقير لإسقاط الجنين واللواتي يأخذن السموم لقتل الجنين يقعن تحت قصاص القتلة ". والقديس باسيليوس الكبير سنة 379 م يوصي في القانون الثاني من مجموعة قوانينه:" ليفرض على المرأة التي تقوم بعملية إجهاض مدة 10 سنوات في التوبة سواء أكان الجنين تام التكوين أولم يكن ".
والمجادلة الأخري التي تواجه النظرة المسيحية هي أن، "ماذا ولو كانت حياة الأم في خطر"؟ وهذا سؤال يصعب جداً أجابته. ولكن يجب علينا تذكر أن هذه الحالة تمثل نسبة ضئيلة جداً من حالات الأجهاض في عالمنا اليوم. وثانياً نحن نؤمن بأن الهنا اله معجزات. وهو قادر علي حفظ حياة الأم والجنين وان كانت التقارير الطبية تري خلاف ذلك. ولكن في الحقيقة أجابة هذا السؤال تكمن بين الزوج والزوجة والله. فأن كان أي زوجين يواجهان هذه المعضلة، فيجب عليهم الصلاة بحرارة وأن يسالوا الله أن يمنحهم الحكمة والسلام لأتخاذ ذلك القرار المهم (يعقوب 5:1).
وللذين قد تعرضوا لذلك الموقف وقاموا بأجهاض الجنين، يجب تذكر أن الاجهاض خطيئة أمام الله. ولكن يجب أيضاً تذكر أن الله رحيم (يوحنا 16:3 ورومية 1:8 و كولوسي 14:1). فالله قادر علي منح الغفران للأم وكذلك للأب ان كان قد قام بحضها أو تشجيعها أو حتي الطبيب التي قام بعملية الأجهاض. وكمسيحيون، فالاجهاض هو لا يمثل حرية أختيار المرأة. ولكنه بالحري مسألة حياة أو موت شخص خلق علي صورة الله كشبهه (تكوين 26:1-27 و 6:9).
" لا تقتل " هذه هي الوصيّة الخامسة التي تلقاها موسى من لدن الرب. وهي تعبّر عن الإقتناع السائد بأن الحياة ثمينة ومقدّسة وتشير خصوصًا إلى الحياة الإنسانيّة إذ إن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله وفي هذا قيمته وكرامته. فكلّ عمل يجعل من الآخر شيئًا يمكن التصرف به يندرج في خانة القتل. فالذي يقتل يسخّرنفسه لخدمة الموت وهو في هذا العمل لا يسلّم حياة بشريّة إلى الموت فحسب بل يخطئ إلى الإله الحي والذي هو وحده معطي الحياة وسيّدها. فإلهنا "إلـه أحيـاء" (مز12: 27)، و "أيّ إنسان قتل أخـاه أطـلب منه نفس هذا الإنسان" ( تك9: 5). حياة الإنسان وموته إذن هما بين يدي الله وتحت سلطانه : "في يده نفس كل حيّ وأرواح البشر أجمعـين" (أي 12: 10).
إنّ الإنسان من خلال تبنّيه لموقف الإجهاض يتعارض مع موقف الآب ومشيئته. فالإنسان ليس بسيّد الحياة، ويسوع له وحده السلطان على الحياة: "أنا أميت وأحيي" (تث32: 39). فكلام الرب واضح في هذا المجال: "من له أذنان سامعتان فليسمع". .
و السؤال الذي يطرح نفسه الأن : على من تقع مسؤولية الإجهاض ؟
غالبًا ما يلقي الناس اللوم في مسألة الإجهاض على المرأة وحدها متناسين الدور الذي تلعبه الأوساط المحيطة من الزوج وصولاً إلى المجتمع. هذا الأمر لا يعني أن المرأة هي مبرّرة من هذا الجرم فهي ما زالت مساهمة فيه.
فالمسؤليّة عن جريمة الإجهاض تقع خصوصًا على والد الطفل الذي غالبًا ما يدفع المرأة إلى الإجهاض لأغراضٍ شخصيّة رخيصة، منتهكًا بذلك كل الأعراف والقيم الأدبيّة. كما تشمل هذه المسؤوليّة المحيط العائلي والاجتماعي الذي ساهم في الضغط على المرأة في سبيل إقناعها بالإجهاض.
ولا ننسى دور الأطبّاء والأجهزة الصحيّة في مسؤوليّتهم تجاه هذا الجرم، إذ نجدهم يطوّعون للموت الكفاءات التي أحرزوها لدعم الحياة. فانحراف الطب عن هدفه الأساسي يدفع بالإنسان إلى ارتكاب جرائم بشعة ومروّعة. وتمتد المسؤوليّة الى المشرعين الذين دعموا وقرّروا قوانين الإجهاض، فهي الأكثر جسامة إذ تأخذ بعدًا شاملاً يتخطّى حدود الفرد ضارب بعرض الحائط كلّ القيم ومبرّرة تصرفات مشينة أضحت شائعة بفضل العادة وغياب صوت الضمير.
ثمّة أيضًا مسؤوليّة بذات الخطورة تشمل الإباحيّة الجنسيّة وازدراء الأمومة. كما تشمل كلّ الذين كان عليهم أن ينهجوا سياسات عيليّة واجتماعيّة فاعلة لدعم العيل ولكنّهم أحجموا. ولا يمكننا أخيرًا إلاّ أن نلحظ شبكة التواطؤات المتناميّة الساعية إلى إشراك أجهزة دوليّة ومؤسسات وجمعيّات تناضل بانتظام لتشريع الإجهاض ونشره في العالم أجمع. بهذا المعنى يتخطّى الإجهاض مسؤوليّة الافراد وما يلحقهم من أذى، ويكتسب بعدًا اجتماعيًّا واضحًا.
نهاية ً ، إن الإجهاض المتعمد خطيئة قتل بالدرجة الأولى ، سوف يدان عليها المجهض أمام الله . لكن هذا لا يعني إن كانت هناك توبة حقيقية أن الله لن يقبلها . إلا أن هذه التوبة يجب أن تكون صادقة . و كمسيحين في مجتمعنا و عالمنا الحاضر يجب أن نصلي و أن نقف موقف ضد هذه الجريمة المنتظمة بحق الله و صورته التي خلقتنا عليها ، و حق إنسان أعزل بالحياة .

بقلم يوسف كمال خوري

التعليقات
المواد الموضوعة بالموقع ليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر المسؤولين عن الموقع, فهي تعبر عن وجهة نظر اصحابها او ناشريها,
نحن نضعها من اجل الحوار المتمدن ولسماع الرأي الاخر ولحوار بناء.