مقابلات وريبورتاجات
ترانيم مختارة
مواضيع متعلقة   جديدة

بقلم ماري حنانيا. أخصائية نفسية/ تخصص في مجال الأطفال، إرشاد للأهالي والطواقم التربوية.

أتذكرين شعورك عند سماعك عن أخبار الحرب؟ الذكريات والأفكار التي يصطحبها الخوف، الألم، الحزن والغضب؟ لهذه الأحاسيس المختلفة تأثيرًا كبيرًا على أفكارنا ومشاعرنا بحيث أنها تنسج الأحداث داخل ذاكرتنا لتجعلها جزءًا لا يمحى ولا يتجزأ من حياتنا...

بقلم المحامي بطرس منصور

منذ هجوم حركة القاعدة على برجي التوأم في نيويورك عام 2001 والخوف من الاسلام والمسلمين ينتشر في الغرب بما يسمى ب-"الاسلاموفوبيا" (الخوف من الاسلام)...

بقلم الأب جورج مسوح

تبنّى المسيحيّون في سوريا، أو معظمهم، طيلة القرنين الماضيين، الطروحات العلمانيّة في سبيل إنهاض وطنهم وقيام الدولة المدنيّة، دولة المواطنة التي تسودها المساواة التامّة...
تغيير حجم النص تصغير الخط اعادة الخط للحجم الطبيعي تكبير الخط

القضاء والقدر- الجزء الثاني

| Share

مفهوم القضاء والقدر لاهوتياً:
يعتبر موضوع القضاء والقدر من أصعب الأمور على الإنسان، لأننا نتحدث هنا عن خطة وعمل الله كلي الإرادة. كذلك فإن الموضوع يشمل مكانة الإنسان في خطة الله، وهل للإنسان حرية التصرف والاختيار، أم أن الله نظّم ورتّب كل شيء سلفاً، وعلى الإنسان التنفيذ بحسب خطة الله، وبدون أي دخل لإرادته ومطالبه كإنسان؟ أجل، أين الإنسان في خطة الله؟‍‍‍‍‍!
وللجواب على هذه الأسئلة، علينا أولاً أن نُعَرِّف القضاء والقدر والاختيار، ثم نبحث في مكانة الإنسان ضمن خطة الله:

1. القضاء: يعني حتمية إتمام إرادة الله لكل ما في الكون. أي أن ما يريده الله سيتم حتماً. فكل ما يحدث يتم بمشيئة الله، وهذا يشمل مصير أصغر مخلوق ميكروبي حتى مصير الإنسان. كذلك يشمل ظواهر الطبيعة الكبرى من أعاصير وعواصف وزلازل وبراكين ورعود وبرق ومطر ورياح، حتى تدحرج حجر من جبل أو في الطريق.

2. القدر: يشير إلى أن الله الواحد المثلث الأقانيم قد عمل على تقدير وترتيب كل ما سوف يحدث (أفسس 11:1، 22، مزمور 2) فمنذ الأزل قَدَّر الله مسيرة التاريخ، واختار لنفسه شعباً أو جماعة من الناس سيكون لهم علاقة أبدية مع الله، في حين سيذهب بقية العالم في طرقهم الخاصة، أي طرق الخطية، وبالتالي سينالون العذاب الأبدي.

3. الاختيار: يعني أن الله حدد مصير البشرية سلفاً بما يتوافق مع خطته الأزلية، فالله يختار وينتخب ويرسم ويعين بحسب خطته وقصده ومشورته وإرادته (راجع أخبار الأيام الثاني 6:19، أمثال 4:16، رومية 18:9، 20-24، تكوين 20:50). فمثلاً في قصة يوسف، قَصَدَ إخوته له الشر، وتخلصوا منه ببيعه للإسماعيليين، ولكن كما نقرأ في تكوين 20:50 "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْباً كَثِيراً". فالله اختار يوسف بقصد أن يكون سبباً في خلاص أسرته من الجوع.

هذه التعاريف والمفاهيم تعني لكثير من الناس أن الله غير عادل، وبأنه منحاز وعنصري وجبّار وظالم. لأنه بحسب القضاء والقدر، يفضل الله بعض الناس على غيرهم، ويبارك البعض ويلعن الآخرين، ويحب البعض ويكره الآخرين. وكثيراً ما نسمع التذمر على شفاه الناس: أين العدالة في أن يموت فلان وهو شاب، وأن يبتلي آخر بمصائب وويلات؟ أو أين العدالة إن كان مقدراً لإنسان أن يعيش في الخطية والضلال والفساد، ومن ثم ينال العقاب الأبدي، فما هو ذنب هذا الإنسان؟ ثم إن كان الله يقدّر للإنسان مصيره، فهذا يعني أن الله عنصري، فهو يعطي البعض الحياة الأبدية ويعطي الأكثرية العذاب الأبدي.

يعلمنا الكتاب المقدس بكل قوة ووضوح أن الله عادل ويحب جميع خليقته، لذلك يستحيل أن يستثني أحداً من محبته، كذلك يستحيل أن يظلم أي انسان. كذلك نتعلم من الكتاب المقدس أنه "لَيْسَ عِنْدَ الرَّبِّ إِلَهِنَا ظُلْمٌ وَلاَ مُحَابَاةٌ وَلاَ ارْتِشَاءٌ". (أخبار الأيام الثاني 7:19). لأن الرب يرحم من يطلب الرحمة بصدق. ولكن الذي يرفض الله ويسير في طريق الشر، فإن الله يقسّي قلبه بسبب رفضه المتكرر لرحمة ونعمة الله، كما نقرأ في رومية 18:9 "فَإِذاً هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ".

لو أن القضاء والقدر حتمي، ولو أن الله يختار أشخاصاً للخلاص منذ الأزل، فماذا يعني ذلك من الناحية الأخلاقية؟ فإذا قدّر الله كل شيء من الأزل، فهل لأعمال البشر أية قيمة؟ فحتى الأخلاق تصبح بلا معنى وبلا قيمة، لأنه حسب القضاء والقدر، سيتم خلاص الذي اختارهم الله بغض النظر عن أسلوب حياتهم، أي أن مطالب الأخلاق الفاضلة تصبح بلا قيمة.

كذلك إن كان الله سيخلص المختارين الذين يعرفهم وحده، فلماذا نقوم بأي نشاط تبشيري وروحي لنشر كلمة الله بين الناس، فالله سيخلصهم، سواء بشرناهم أو لا. فبحسب القضاء والقدر: إذا قَدَّرَ الله لإنسان أن يكون شريراً، فلا معنى لتبشيره ووعظه وإرشاده. وإذا قَدَّرَ الله لإنسان آخر أن يكون صالحاً، فلا معنى لتبشيره أيضاً، وبالتالي تلتغي الحاجة للتبشير والوعظ والإرشاد في جميع الحالات، مع أن المسيح طلب من الؤمنين وبكل وضوح أن يذهبوا ويكرزوا ويبشروا وينشروا الإنجيل في العالم أجمع (راجع مرقس 15:16، متى 19:28-20).

كذلك فإن القضاء والقدر يعني إلغاء حرية الإنسان وبالتالي انعدام إنسانيته وانعدام فرصته للاختيار بين الحق والباطل. هنا يدافع الذين يؤمنون بمبدأ القضاء والقدر عن موقفهم بالقول أن الله هو الخالق، وله مطلق الحرية والحق أن يعمل ما يريد، ولا يحق للإنسان أن يسأل الله أو أن يحكم على الله، وتوجد مقاطع في الكتاب المقدس يستخدمها هؤلاء للدفاع عن وجهة نظرهم، كما في رومية 10:9-21، وفي مثل الكرّامين في متى 13:20-16، وأفسس 4:1-5، ويوحنا 37:6، 44، 65؛ 16:15، وأعمال الرسل 48:13، فبحسب وجهة النظر هذه، فإن اختيار الله من الأزل وبدون شروط، أي لا ينتظر الله إيمان الأشخاص ليختارهم، فمن اختارهم الله حتماً سيؤمنون به، ولا يمكن سؤال الله أو لومه على اختياره. ولكن الآيات اللتي يستخدمها دعاة القضاء والقدر تؤخذ في الغالب دون النّظرة الشاملة والكليّة الى حقيقة شخص الله الكلي المحبة والقداسة، وكذلك بدون أخذ السياق العام لإعلانات الله في الكتاب المقدس عن شمولية خلاصه للبشر، وعن دعوته لجميع الناس في كل زمان ومكان الى التوبة والإيمان. فلو سلّمنا بالقضاء والقدر فإننا نلغي حاجتنا لوصايا الله ولشرع الله وحتى لوحي الله بالكامل.

هنا يأتي أصعب سؤال يواجهنا: كيف نربط أو نجد العلاقة بين مقاصد الله الأزلية وإرادته المطلقة واختياره، وبين عمل الإنسان المبني على حرية الإرادة والاختيار التي ميّز الله بها الإنسان الذي خلقه؟ أو بصيغة أخرى: ما هي العلاقة بين خطة الله وعمل الناس. أو العلاقة بين سلطان الله وحرية البشر؟

يمكن البحث في هذا الموضوع من خلال طرح سؤالين:
1. هل يعمل الناس ما يعملونه لأن الله قرر سلفاً وبالضبط كيف سيتصرّفون، أي هل اتخذ الله القرار والناس ينفذّون.
2. أو هل عرف الله مسبقاً ما سوف يفعله الناس، وبناءً على معرفته المسبقة بأعمال الناس، قرر الله ما سوف يحدث، وقام بالاختيار بناءً على علمه السابق؟

إذا كان جوابنا على السؤال الأول (1) بالإيجاب، فإن هذا يعني أن الله اختار سلفاً من سيؤمنون به وأعطاهم الحياة الأبدية، أي أن قرار الله هو الذي يحدد الذين سيخلصون، وبالتالي يحدد كيف سيتصرف كل شخص.
وإن كان جوابنا على السؤال الثاني (2) بالإيجاب، فإن هذا يعني أن الله أعطى الناس حرية الاختيار، وعرف سلفاً من سيختار الإيمان، وبالتالي اختارهم للحياة الأبدية، وهذا يعني أن أعمال الناس لا تنتج عن قرار مسبق اتخذه الله، بل أن الله يحافظ على الحرية التي منحها للناس، وبالتالي فإن خطة الله مشروطة، أي تعتمد على اختيار الناس، وأن معرفة الله السابقة لا تحدد مصير الإنسان، ولكن تعرف هذا المصير.

يعلمنا الله في الكتاب المقدس الكثير عن خلق الإنسان وطبيعته، وعن معاملاته مع الإنسان الذي خلقه. وأول شيء نعرفه هو أن الإنسان مخلوق على صورة الله (تكوين 26:1-27) أي أن الله خلق الإنسان ناطقاً وعاقلاً وحراً ومسئولاً أمامه، وهذا يعني بالتأكيد أن الإنسان مسئول عن اختياره في الحياة. فكل واحدٍ من البشر يستطيع أن يختار أن يعيش حياة شريفة ونظيفة أو يختار الحياة في شر وفساد. وإن أخطأ الإنسان، يستطيع بإرادته الحرة التوبة إلى الله والرجوع عن عمل الشر والخطية. أي يستطيع الإنسان اختيار الخلاص والمشاركة في خطة الله بناءً على الإرادة الحرة الموهوبة له من الله. فالله لا يمنع خيره عن أي إنسان، والله يريد الخلاص للجميع، بل أنه يدعو الجميع إلى التوبة، وبالتالي فإرادة الله لا تحد من حرية الإرادة لدى الناس، ولا تمنع مبادراتهم المختلفة. فالإنسان كائن حر، ويتمتع بإرادة وقيادة عقلية، فهو يريد بحرية. والإرادة لدى الإنسان تعني الميل والإندفاع المنطقي إلى عمل ما، وهي تشمل ما بوسعنا وما ليس بوسعنا، وما هو ممكن التطبيق، وما هو غير ممكن.

ولإثبات ذلك نرجع إلى تعاليم الإنجيل المقدّس حول هذا الموضوع:
1. الإنسان مخلوق على صورة الله. تكوين 26:1-27.
2. وضع الله الإنسان في جنة عدن، وأعطاه الخيار بين الأكل من الثمار المحللة والحياة الكريمة في الجنة، أو الأكل من الشجرة المُحَرَّمَة وما ينتج عن ذلك من عذاب وموت. تكوين 15:2-16.
3. نقرأ في تثنية 15:30، 19 "اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلتُ اليَوْمَ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالخَيْرَ وَالمَوْتَ وَالشَّرَّ". ويضيف في الآية 19 "أُشْهِدُ عَليْكُمُ اليَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلتُ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالمَوْتَ. البَرَكَةَ وَاللعْنَةَ. فَاخْتَرِ الحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ".
4. إشعياء 1:55 "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعاً هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاه...". وإشعياء 6:55-7 "اُطْلُبُوا الرَّبَّ مَا دَامَ يُوجَدُ. ادْعُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. لِيَتْرُكِ الشِّرِّيرُ طَرِيقَهُ وَرَجُلُ الإِثْمِ أَفْكَارَهُ وَلْيَتُبْ إِلَى الرَّبِّ فَيَرْحَمَهُ وَإِلَى إِلَهِنَا لأَنَّهُ يُكْثِرُ الْغُفْرَانَ". نلاحظ هنا دعوة الله لجميع الخطاة أن يتوبوا، فالله لا يفرض التوبة على أحد، وهو فقط يدعو، وللناس حرية التجاوب مع دعوة الله أو رفضها.
5. حزقيال 11:23 "... إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ الشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. إِرْجِعُوا ارْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ الرَّدِيئَةِ". وفي الآيات 14-16 "وَإِذَا قُلْتُ لِلشِّرِّيرِ: مَوْتاً تَمُوتُ! فَإِنْ رَجَعَ عَنْ خَطِيَّتِهِ وَعَمِلَ بِـالْعَدْلِ وَالْحَقِّ... وَسَلَكَ فِي فَرَائِضِ الْحَيَاةِ بِلاَ عَمَلِ إِثْمٍ، فَإِنَّهُ حَيَاةً يَحْيَا. لاَ يَمُوتُ. كُلُّ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا لاَ تُذْكَرُ عَلَيْهِ. عَمِلَ بِـالْعَدْلِ وَالْحَقِّ فَيَحْيَا حَيَاةً".
6. أمثال 24:1-33 "لأَنِّي دَعَوْتُ فَأَبَيْتُمْ وَمَدَدْتُ يَدِي وَلَيْسَ مَنْ يُبَالِي بَلْ رَفَضْتُمْ كُلَّ مَشُورَتِي وَلَمْ تَرْضُوا تَوْبِيخِي... لأَنَّهُمْ أَبْغَضُوا الْعِلْمَ وَلَمْ يَخْتَارُوا مَخَافَةَ الرَّبِّ. لَمْ يَرْضُوا مَشُورَتِي... لأَنَّ ارْتِدَادَ الْحَمْقَى يَقْتُلُهُمْ وَرَاحَةَ الْجُهَّالِ تُبِيدُهُمْ. أَمَّا الْمُسْتَمِعُ لِي فَيَسْكُنُ آمِناً وَيَسْتَرِيحُ مِنْ خَوْفِ الشَّرِّ". أي يمكن للناس أن يرفضوا نعمة الله ودعوته وخلاصه. أجل إن الله يدعو الأشرار إلى التوبة، ومن يسمع يغفر له وينال الحياة. ومن لا يسمع فسينال عقاب الرب، لأنه لم يختر مخافة الله بل رفض مشورته، في حين من يسمع يسكن آمناً.
7. في متى 28:11 "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ". فالمسيح يدعو الجميع لينالوا الراحة من أتعابهم، وبدون تمييز بين مختارين ومرفوضين.
8. في لوقا 34:13 "يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ... كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ... وَلَمْ تُرِيدُوا".
9. أعمال الرسل 30:17-31 "فَاللَّهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ. لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ". نلاحظ هنا تكرار كلمة الجميع ισαπ مرتين، وهذا دليل قاطع على أن فرصة الخلاص متاحة لكل إنسان.
10. رومية 29:8-30 "لأَنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ فَهَؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضاً. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ فَهَؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضاً. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ فَهَؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضاً". وهنا نقرأ بوضوح أن تعيين الله للذين سينالون الحياة الأبدية والمجد مبنياً على معرفته السابقة لهم.
11. رومية 21:9 "أَمْ لَيْسَ لِلْخَزَّافِ سُلْطَانٌ عَلَى الطِّينِ أَنْ يَصْنَعَ مِنْ كُتْلَةٍ وَاحِدَةٍ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ وَآخَرَ لِلْهَوَانِ؟". هنا يبدو للمتسرع أن لا مجال للاختيار، ولكن في تيموثاوس الثانية 19:2-26 وخصوصاً الآيات 20-21 نقرأ "وَلَكِنْ فِي بَيْتٍ كَبِيرٍ لَيْسَ آنِيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَقَطْ، بَلْ مِنْ خَشَبٍ وَخَزَفٍ أَيْضاً، وَتِلْكَ لِلْكَرَامَةِ وَهَذِهِ لِلْهَوَانِ. فَإِنْ طَهَّرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ مِنْ هَذِهِ يَكُونُ إِنَاءً لِلْكَرَامَةِ، مُقَدَّساً، نَافِعاً لِلسَّيِّدِ، مُسْتَعَدّاً لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ". فالذي للهوان، أي يعيش في الخطية، يمكنه أن يتقدّس ويصبح للكرامة، أي عائشاً حياة الإيمان والفضيلة. مرةً أُخرى لنلاحظ قول الله إن طهَّر أحدٌ نفسه، أي أنه ليس قدراً على إنسان ما أن يكون للهوان بل يمكنه أن يطلب التوبة دائماً.
12. في يوحنا 9:1 نقرأ "كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ". فالمسيح نورٌ لجميع الناس، ويمكنه أن ينوّر جميع الناس إن قبلوا به، وفي الآية 12 "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ". فالذين يقبلون المسيح يعملون ذلك طوعاً وبإرادتهم.
13. يوحنا 18:3 "اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ". الدينونة على الذي لا يؤمن، ودعوة الإيمان موجّهة للجميع.
14. في تيموثاوس الأولى 3:2-4 "لأَنَّ هَذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، 4الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ". أجل إن إرادة الله هي الخلاص للجميع، فالله صالحٌ ولا يريد الشر، بل يريد أن يتمتع الناس بخلاصه وحقه.
15. في بطرس الثانية 9:3 "... وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ". أجل، الله يريد الحياة للجميع، ولا يشاء لهم الهلاك.
16. في بطرس الأولى 1:1-2 "بُطْرُسُ... إِلَى الْمُتَغَرِّبِينَ... الْمُخْتَارِينَ بِمُقْتَضَى عِلْمِ اللهِ الآبِ السَّابِقِ...". الله يعرف كل شيء مسبقاً ولا يحدد كل شيء مسبقاً. أي أن الاختيار مؤسس على علم الله السابق لمن سيؤمن. (رومية 29:8).
17. رؤيا 11:22-12 "مَنْ يَظْلِمْ فَلْيَظْلِمْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ نَجِسٌ فَلْيَتَنَجَّسْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ بَارٌّ فَلْيَتَبَرَّرْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ مُقَدَّسٌ فَلْيَتَقَدَّسْ بَعْدُ". فأمام الإنسان طريق البر والقداسة أو طريق الظلم والنجاسة، وله أن يختار.
18. تجسّد الرّب يسوع المسيح وموته على الصليب هو دليل ساطع على محبة الله لكل العالم، فعلى الصّليب حمل المسيح خطايا كل العالم، أي أن المسيح لم يمت فقط من أجل المختارين، بل من أجل كل العالم، وهذا دليل على أن الله يختار الناس ولا يرفضهم، ولكن الناس أنفسهم يختارون رفض الله ولا يسمعون دعوته لهم للتوبة. (راجع يوحنا 29:1؛ 16:3، رومية 8:5 ... الخ). كذلك فإن دعوة الرّب يسوع المسيح الموجّهة إلى المؤمنين بالذهاب إلى العالم أجمع للتبشير بالإنجيل تعني أن الله بواسطة التبشير يعطي كل الناس فرصة ذهبية للاختيار بين التوبة والإيمان أو العصيان والخطية. ونحن نعرف أنه ليس كل الذين يسمعون كلمة الله سيؤمنون، بل كثير منهم سيرفضون، ومع ذلك فعلى المؤمن أن يسمع لصوت الله ويذهب ويؤدي الواجب الذي أعطاه إياه الرب. فنحن كبشر لا نعرف المختارين للحياة الأبدية، بل علينا الدعوة والتبشير، وجهودنا التبشيرية هي الوسيلة التي يجلب بها الله المختارين إلى الخلاص.

الخلاصة :

الله رب وسيد التاريخ والحياة، فهو كلي القدرة والسلطان والمجد، وهو يعرف ما يجري في الماضي، وما يجري اليوم وسيجري في المستقبل. ومنذ أن قرر الله خلق العالم، عرف ما سيجري في خليقته، وعرف أن الإنسان، تاج هذه الخليقة، سوف يعصي الله ويسقط في الخطية، وبأن كثيرين من الناس سيسمعون صوت الله ويعيشون بحسب متطلبات كلمة الله، وبأن كثيرين غيرهم سيختارون السير في طرقهم الخاصة بهم، غير ملتفتين لدعوة الله لهم بالتوبة، أي أن الله عرف جميع الإحتمالات مسبقاً، فالله يعرف سلفاً ما سوف يختار كل إنسان في العالم، وهو مع ذلك يعمل على خلق الإنسان وإحضاره إلى العالم بدافعٍ من محبته الأزلية.

أما الإنسان فهو كائن حر ومسئول أمام الله، وقيام الإنسان بإتمام مقاصد الله يتم بحرية الإنسان ومسئوليته، مع أن الإنسان كثيراً ما لا يقصد أن يتمم مشيئة الله. (تكوين 4:45-8 مع 20:50، وأعمال الرسل 23:2).
ما سيعمله الإنسان معروف لدى الله بالتأكيد، وبالتالي سيعمله الإنسان بالتأكيد، رغم أن هذا الإنسان قد تكون أمامه عدة خيارات، ولكنه سيختار ما عرف الله أن هذا الإنسان سيعمله، وهذا العمل سيكون بحرية ذلك الإنسان.
علينا أن نتذكر هنا أن حرية الإنسان المطلقة لا وجود لها :
-فالإنسان لم يختر والديه وإخوته وأخواته وأقاربه … الخ
-كذلك لم يختر الإنسان مكان ولادته وأصله وعرقه ولونه وشكله ولغته الأصلية.
-أيضاً لم يختر الإنسان نوع الجينات التي سيتكون منها.
وهكذا فحرية الإنسان تقع ضمن هذه الحدود التي يوجد بها، والتي لا سلطان له عليها. وعليه سيتأثر اختيار الإنسان بالتأكيد مما حوله. فخيارات الرجل الفقير في السفر والطعام واللباس محدودة، بعكس الإنسان الغني مادّياً، ولكن الجميع لهم نفس المقدار من الحريّة في اختيار الله وطرقه وخلاصه الذي تم بموت الرب يسوع على الصليب، أو اختيار الخطية ورفض الله وطرقه وعمل الشر. أي أن اهم اختيار في الوجود هو بين الحق والباطل. بين النور والظلمة. بين الرب يسوع المسيح الذي مات من أجل العالم، وبين آلهة العالم المتعدة الأشكال والاسماء والتي تريد أن يموت الناس في سبيلها. لذلك علينا ان ننتبه ونصلي ونطلب ارشاد الله، ونختار بالتالي طريق الحق والخلاص والحياة الابديّة.

التعليقات
لنفس الكاتب/ة  


23/11/2015 ‏ 13:11
يلجأ كثير من الناس في حياتهم اليومية إلى استخدام كلمتي "قضاء وقدر" لتفسير معظم، إن لم يكن كل ما يحدث معهم، ومن الأمثلة على ذلك...


16/11/2015 ‏ 14:45
تعتبر قصة استشارة شاول للمرأة صاحبة الجان واحدة من القصص الصعبة في الكتاب المقدّس. ومع ذلك فإنها تجسد رادعاً قوياً ودعوة صارخة للإمتناع عن ارتكاب مثل هذه الخطية...


09/11/2015 ‏ 13:38
تعاليم الكتاب المقدس عن السحر: شدد الكتاب المقدس بقوة على إدانة كل أشكال السحر، فهذه الأعمال مكروهة عند الرب، لأنها نجاسات ورجاسات وشرور وشكل من أشكال العبادات الوثنية والعصيان...


02/11/2015 ‏ 14:27
السّحر بأشكالٍ متنوعة: أشرت إلى حقيقة أن الشيطان مخادع وكذّاب، وهو يعمل بقوة في العالم. وفي الواقع أن قوت الشيطان لا يستهان بها...
المواد الموضوعة بالموقع ليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر المسؤولين عن الموقع, فهي تعبر عن وجهة نظر اصحابها او ناشريها,
نحن نضعها من اجل الحوار المتمدن ولسماع الرأي الاخر ولحوار بناء.