مقابلات وريبورتاجات
ترانيم مختارة
آخر الأخبار
ما هي الصفقة الكبرى؟ لماذا يرفض الفلسطينيون “صفقة القرن” بقلم القس الدكتور جاك سارة
إدارة وطلاب كلية بيت لحم للكتاب المقدس يحملون رسالتها لخارج البلاد
كلية بيت لحم للكتاب المقدس تُطلق مساق "اللاهوت والفكر المسيحي في فلسطين"
أنت لديك تأثير: كلية بيت لحم للكتاب المقدس تستضيف مؤتمر قمة القيادة العالمية السادس
كلية بيت لحم للكتاب المقدس في شيكاغو: ندوة نورث بارك اللاهوتية 2019
المعلمون: مثال يحتذى به فهم يُغيرون الحياة
كلية بيت لحم للكتاب المقدس تُطلق مبادرة المنتدى الفلسطيني الأكاديمي لحوار الأديان بالتعاون مع جامعة النجاح
كلية بيت لحم للكتاب المقدس تفتتح أبوابها للعام الأربعين!
كلية بيت لحم للكتاب المقدس تُضيف برنامج دبلوم مهني متوسط في اللغة العبرية إلى برامجها
خدمة آنية بيده تُقيم اللقاء الأخير من سلسلة "حرّرني لأكون أنا نفسي"
مواضيع متعلقة   جديدة



إن سألنا من حولنا، نرى أنّ المعتقد الشائع يفيد بأنّ الله لا يتسبّب بأمور سلبية أو أنه لا يسمح بحصول أمور سيّئة. لعلّ هذا يساعد الكثيرين على الشعور بالتحسّن...

بقلم الأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى

محبة الله لا مثيل لها،هى محبة عملية باذلة وتسعي لخلاصنا وتحريرنا أعلنها لنا الله لا بالكلام واللسان بل بالعمل والحق { لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ...



الوقت من ذهب أذا لم نستغله عبر وذهب. كثيرين لا يشعرون بقيمة الوقت الا بعد ضياعه من أيديهم، فبعض الطلبة لا يشعرون بقيمة الوقت...
تغيير حجم النص تصغير الخط اعادة الخط للحجم الطبيعي تكبير الخط

الشبيبة والمُتَغَيِّراتُ الأخلاقيّة

| Share

قبل الخوضِ في هذا الموضوعِ الهامّ الأساسيّ على الأصعدةِ الكنسيَّة، الاجتماعيّةِ والعائليَّة، أودُّ أن أبدأَ بكلماتِ الكتاب المقدّس والَّتي تَدعو، من خلال مضمونِها ومعناها الكتابيّ، إلى عيشِ الحياةِ الحقيقيّة، الَّتي تليقُ بأبوَّةِ الله وعهدِه المقدّس مع الإنسانيَّة، وهي البعيدةُ كلَّ البُعدِ عن الضلالِ والكُفر بأنواعِه المتعدِّدة وصداقةِ مثوى الأمواتِ ومعاهدتِه، يقول: "لا تَسعَوا إلى الموتِ بتَضليلِ حياتِكم، ولا تَجلُبوا عليكُمُ الهلاكَ بأعمالِ أيديكم، لأنّ اللهَ لم يَصنَعِ الموت، ولا يُسَرُّ بهلاكِ الأحياء... لكنّ الكافرينَ دَعَوا مثوى الأمواتِ بأيديهِم وأقوالِهم، عَدُّوهُ صديقًا فاضمحلُّوا ثم عاهدوه، لأنّهم أهلٌ لأن يكونوا من حزبه" (حكمة 1: 12-16). إنّ كاتِبَ هذا السِفرِ المقدّس، لا يَقصُدُ بكلامِه عن الموت، الموتَ الجسديَّ الزمنيّ فقط، بل الموتَ الأبديّ، الموتَ الروحيّ. إنّه، أي الموتُ الروحيُّ، الحياةُ الفارغةُ الَّتي بلا معنى وبلا هدفٍ مرجُوٍّ، إذ يُعيشُها صاحبُها في غُربةٍ عن هويَّتِه الروحيّة، الإنسانيّةِ والاجتماعيّة، فتَغدوَ حياةُ الإنسانِ فارغةً من قِيَمِها الأخلاقيَّة، فيَميلُ إلى تَعبئةِ فراغِه القاتِمِ المُظلِمِ ووحدتِه المُرعِبَةِ في السَّهرِ الليليّ في المقاهي والبارات تحت شعارِ وغطاءِ "أنّ الحياةَ واحدة، فيجبُ أن نَعيشَها بكلِّ لحظاتِها، ضاربًا بعرضِ الحائط، القِيَمَ الأخلاقيّةَ والروحيّة والاجتماعيّة الَّتي تَدعو إلى عيشِ الحياةِ في ملئِها"، وهكذا، يُصبحُ الإنسانُ صديقًا للإثم، عابدًا الخطيئة ومعاهِدًا مثوى الأموات.
ماذا تعني مقولةُ "أن يعيشَ الإنسانُ الحياةَ في ملئها"؟ إنّها تعني أن يَستفيدَ الإنسانُ من كافّةِ مؤهّلاتِه وقواه. فهو يُنمّي قواهُ الدّاخليَّةَ ويعملُ جاهِدًا ليكونَ فاعِلاً حيث هو؛ إنّه يعيشُ في سلامٍ مع ذاتِه، وهو مُنفَتِحٌ على كاملِ الخبرةِ البشريَّةِ ويُعبِّرُ عن حقيقتِه ببساطةٍ وشفافيّة. فهو يَنخَرِطُ في الحياةِ بقوّةٍ واثِقًا أنّ مَن يُوَظِّفَ كلَّ طاقاتِه بجديَّةٍ، يَحصُدُ نُمُوًّا مُتَّزِنًا لا يَعرِفُ الضَّياعَ ولا الفوضى؛ إنّه حيٌّ في عقلِه، مُطَبِّقًا مقولةَ سقراط وحكمتَه: "الحياة الَّتي لا تُفهَم، لا تَستحقّ أن تُعاش". إنّه يُفكِّرُ باستمرار، ويُصغي إلى ما تَطرحُ عليه الحياةُ من أسئلة. فيه قلبٌ يَخفِقُ بقوّة وله إرادةٌ لا تَخشى الصِّعاب. يُحِبُّ كثيرًا وفي حبِّه صِدق. إنّه يَحتَرِمُ نفسَه. الإنسانُ الَّذي يعيشُ ملءَ الحياة إنسانٌ يُقدِّرُ نعمةَ الحياة وما وَضَعَ فيه الله من قُدُرات. ويُقدِّرُ نِعَمَ الآخرين ويَقلَقُ عليهم. فسعادتُهم ونجاحُهم وسلامةُ عيشِهم في صُلبِ همومِه. إنّه ملتزمٌ بالأمانةِ الصَّادقة لِمَن يُحِبّ. إنّه، في الخطِ العريض، الإنسانُ الَّذي يُمكِنُه إحداثَ تغيير جذريٍّ في ذاتِه، ولا يَقبلُ بأنْ تكونَ أحداثُ حياتِه مُسَجَّلةً على شريطٍ يدورُ في غفلةٍ منه ومعه يمرّ عمرُه وكأنّ لا حَولَ له في الأمر ولا قوّة.
بعد كلِّ ما تَقَدَّم، يبقى السؤالُ الَّذي يَنتظِرُ جوابًا جوهريًّا، منكَ أيُّها الشَّابُ ومنكِ أيَّتُها الشَّابة، هو التَّالي: عن أيَّةِ قِيَمٍ تَبحثونَ في حياتِكم اليوم؟ أتَبحثونَ عن القِيَمِ الَّتي تَجلِبُ لكمُ الموتَ الروحيّ والطَّريقَ الضَّالَ المُنحَرِف والحريَّاتِ الزَّائفة المبنيَّةَ على عملِ ما يَحلو لكم دون رقيبٍ أو محاسب أم إنَّكم تتوقونَ وبكلِّ رغبةٍ صادقةٍ وإرادةٍ صَلبةٍ على اتّباعِ طريقِ النّضجِ الروحيّ، الاجتماعيّ، العاطفيّ والإنساني، إذ تتَّخذونَ لمسيرتِكم النُّضجيَّةِ هذه شعارًا، مستوحىً من رسائلِ القدّيس بولس: "كلُّ شيءٍ يجوزُ لي ولكن ليس كلُّ شيءٍ يَنفَع".
انطلاقًا من هذا الشِّعار، أستطيعُ أن أَدخُلَ في صُلبِ موضوعٍ آخر، يؤلِمُني ويُقلِقُني ويَجعلُني مُضطَرِبًا، هو الاستعمالُ السيئُ للإنترنت عامَّةً والفيسبوك "Facebook" خاصّة. إنّه من إحدى مميّزاتِ العصرِ الحديثِ واكتشافاتِه الَّتي تَوَصَّلَ إليها العقلُ البشريُّ، وهو حدثٌ جَعَلَ من الاتّصالِ لغةً سهلةَ المَنال بين أبناءِ الإنسانيَّةِ قاطبةً، إذ نستطيعُ من خلاله خلقَ علاقاتٍ جديدة واحتكاكٍ بأشخاصٍ جُدُدٍ في حياتِنا، وهذا كلُّه جميلٌ وليس فيه شائبةٌ أو عيب. إلا أنّ المشكلةَ تَكمُنُ هنا في الاستعمالِ الخاطئِ والمغلوط لقناةِ الاتّصالِ هذه من قِبَلِ الكثيرين من شبيبتِنا، لتُصبِحَ أداةً للانحلالِ الخُلُقيّ والفسادِ الاجتماعيّ الَّذي يُعاني منه مجتمعُنا العربيّ بكثرةٍ في هذه الأيّامِ العصيبةِ والمريرة.
فبدلاً من أن تُوضَعَ صورُكم العاريَّةُ من شخصيَّتِكمُ الحقيقيَّة وتعليقاتُكم السَّخيفة الَّتي لا تُعبِّرُ عن أخلاقيَّةِ مسيحيَّتِنا ومجتمعِنا، يَجدُرُ بكم بالحريِّ أن تضَعوا مكانَها ما يُفيدُنا من علمِكم ومطالعاتِكمُ الكتبَ المختلفة وثقافتِكم وخبراتِكم الإيجابيّة الَّتي تقودُ إلى بناءِ الإنسانِ الأخلاقيّ والروحيّ والاجتماعيّ. وهنا أتساءلُ بقلقٍ عميق: أينَ هم الأهلُ وخصوصًا الأمّهاتُ من مراقبةِ الفيسبوك الخاصّ ببناتهِنَّ والَّذي يَحتوي على صُوَرٍ مُخجلةٍ في وضعيَّاتٍ مُتَحَرِّرةٍ جدًّا إنْ في حفلاتٍ ليليّةٍ غير مُحَبَّبة أو في رقصاتٍ وأجواءٍ صاخبة ولباسٍ غير محتَشِم؟؟؟ أينَ أنتم بحقِّ الله. إنّ ما نرغَبُ في رؤيتِه فيكنَّ يا شاباتِنا يكمنُ في الأخلاق الحميدة، في الحضور الرَّاكز والجِدّيّ، في الكلام الموزون والرّصين، في العقل الوّاعي والمثقَّف، في اللباس المحتَشِم الَّذي يَدُلُّ على الرُقِيّ الأخلاقيّ، في الشَّخصيَّة الواعِدة ذات الرؤية الثّاقبة ... وكلُّ هذا يدلُّ على جمالِكُنَّ الحقيقيّ واحترامِكُنَّ لأنوثتِكُنَّ وللقيمةِ الفريدةِ الَّتي وَهَبكُنَّ إيَّاها الخالق... وهنا، لا يَسَعُني إلاّ أن أَحُثَّ شاباتِنا وأُحرضَهُنَّ على البحثِ عن جمالِهِنَّ الحقيقيّ الَّذي يَنبَعُ من الدَّاخل ويقودُكُنَّ برَونقِهِ وبهائِه وإشعاعِه إلى إظهارِ جمالِكنَّ الخارجيِّ الَّذي سَبَقَ ووصفتُه آنفًا، مردِّدًا قولَ الكتاب المقدّس "إنّ جمالَ بنتِ الملك هو من الدّاخل".
إستَيقظوا أيُّها الشبابُ من سُباتِكم المُظلِم الَّذي وَقَعتُم أسرى في مُعتقَلِه وقوموا من مثوى الأموات ليتسنّى لكم رؤيةَ المعنى الحقيقيّ والقيمة الفريدة لحياتِكم، ودَعُوا نورَ المسيح يُحرِّرُكم من الغرفِ المُظلِمَةِ الَّتي عِشتُمْ فيها عزلتَكم الوُجدانيّة ووحدتَكم المؤلِمة. إنّكم تَبرَعونَ في فنّ التَّمثيلِ وارتداءِ الأقنعةِ الَّتي تَحجُبُ شخصيَّتَكم وهويَّتَكم الحقيقيّة عن أبصارِنا وأنظارِنا، وليست هذه هي الحياة؛ فالحياةُ الَّتي نَتوقُ إلى تقديمِها لكم هي حياةٌ تتميَّزُ بالحبِّ الحقيقيّ المشجِّع؛ بالنموِّ الإنسانيّ والشخصيّ؛ بالتحرُّر من سجنِ أبراجِ أنفسِنا "أنانيَّتنا، كبريائنا، بشاعةِ حريَّاتِنا الزّائفة..."؛ بالاتّصالِ المُنفَتِح والإيجابيّ على الآخر وباتّخاذِ الفضائلِ الإنسانيّة والإلهيّةِ شعارًا يُنيرُ طريقَكم... كلُّ هذه الانطلاقاتُ تَدعوكم أيُّها الشّبابُ والشّابات إلى أن يقبلَ الإنسانُ نفسَه؛ أن يَعيشَ ذاتَه الحقيقيّة غير المُقنَّعَة؛ أن يَنسى ذاتَه في الحبّ؛ أن يكونَ مؤمِنًا وأخيرًا أن يَشعُرَ بالانتماء. فأهمُّ لحظاتِ وجودي وأبعدُها أثرًا في حياتي، هي تلك الَّتي أَحسَستُ فيها أنّني "أبصرتُ" من جديد، مما يُعطي عالمي أبعادًا جديدةً ويُعمِّقُ مشاركتي في الحياة. هذه فضيلةٌ جديدةٌ "التَبَصُّر" تُضاف على الإيمانِ والرّجاءِ والمحبّة.
لديَّ الكثير مما أقولُه لكم، ولكنّي سأكتفي حاليًا، إخوتي الشباب، أخواتي الشّابات، بدعوتِكم وقلبي مليءٌ بالعواطفِ الجيَّاشةِ تجاهكم فردًا فردًا، إلى إعادةِ صياغةِ أخلاقيَّاتِكم من خلال عودةٍ ذاتيَّةٍ إلى جذورِ أخلاقيّاتِ إنجيلِنا ومجتمعِنا وتوجيهِ أنظارِكم لا إلى مغرياتِ العالم وملّذاتِه أو سهرِ الليالي الَّذي لا يَجلِبُ لكم سوى الفحشاء والخطيئة المُظلِمة والتنكّر للهويَّةِ الشخصيَّةِ الحقيقيَّة، بل إلى الروحانيّةِ والعلمِ والثقافةِ والحضورِ الاجتماعيّ الرصين والجِديّ، لتَترُكوا بصماتِ آثارِ قِيَمِكم وأخلاقِكم على مجتمعِكم وكنيستِكم، إذ إنّكم لستم سجناءَ الماضي، إنّما أنتم رائدونَ في التَّوقِ إلى صُنعِ مستقبلٍ زاهرٍ، مُختَتِمًا بمقولةٍ رائعةٍ للقدّيس إيريناوس من القرن الثاني للمسيحيّة، تقول: "الإنسانُ المليءُ بالحياة صورةٌ يتجلّى فيها مجدُ الله".
 

التعليقات
المواد الموضوعة بالموقع ليست بالضرورة تعبر عن وجهة نظر المسؤولين عن الموقع, فهي تعبر عن وجهة نظر اصحابها او ناشريها,
نحن نضعها من اجل الحوار المتمدن ولسماع الرأي الاخر ولحوار بناء.